أبو الليث السمرقندي

111

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

والحب للّه أن يطيعوه في أمره وينتهوا عن نهيه ، فكل من كان أطوع للّه فهو أشد حبا له . كما قال القائل : لو كان حبّك صادقا لأطعته * إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع ثم قال لمحمد صلى اللّه عليه وسلم : وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا يا محمد . إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ ، يعني حين يرون العذاب . أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ، وفي الآية مضمر ومعناه : يا محمد لو رأيت الذين ظلموا في العذاب ، لرأيت أمرا عظيما ؛ كما تقول : لو رأيت فلانا تحت السياط فيستغني عن الجواب ، لأن معناه مفهوم . فكذلك هاهنا لم يذكر الجواب ، لأن المعنى معلوم . قرأ نافع وابن عامر : ولو ترى بالتاء على معنى المخاطب للنبي صلى اللّه عليه وسلم . وقرأ الباقون : بالياء ؛ ومعناه ولو يرى عبدة الأوثان اليوم ما يرون يوم القيامة ، أن الأوثان لا تنفعهم شيئا وأن القوة للّه جميعا ، تركوا عبادتها . وقرأ ابن عامر إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ بضم الياء على معنى فعل ما لم يسم فاعله ؛ وقرأ الباقون بنصب الياء على معنى الخبر عنهم . وقرأ الحسن وقتادة : أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً على معنى الابتداء ، وقرأ العامة أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ بالنصب على معنى البناء ، يعني بأن القوة للّه جميعا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ ، يعني للرؤساء والاتباع من أهل الأوثان . إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا ، يعني القادة مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وهم السفلة وَرَأَوُا الْعَذابَ ، يقال حين يروا العذاب وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ ، أي العهود والحلف التي كانت بينهم في الدنيا . وقال القتبي : الأسباب يعني الأسباب التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا . وقال بعضهم وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ ، أي الخلة والمواصلة ، كما قال في آية أخرى : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [ الزخرف : 67 ] ؛ ويقال : الأرحام والمودة التي كانوا يتواصلون بها فيما بينهم . قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ، أي السفلة : لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً ، أي رجعة إلى الدنيا ؛ وذلك أن الرؤساء لما تبرؤوا منهم ولا ينفعونهم شيئا ، ندمت السفلة على اتباعهم في الدنيا ويقولون في أنفسهم : لو أن لنا كرة أي رجعة إلى الدنيا فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ ، أي من القادة كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا القادة . قال اللّه تعالى : كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ لأنهم يرون أعمالهم غير مقبولة ، لأنها كانت لغير وجه اللّه تعالى فيكون ذلك حسرة عليهم . وقوله تعالى : وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ ، يعني التابع والمتبوع والعابد والمعبود . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 168 إلى 169 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 168 ) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 169 )